حال المال والاقتصاد

«جيل Z» يفرض معادلة جديدة على المؤسسات التعليمية عنوانها الابتكار

«جيل Z» يفرض معادلة جديدة على المؤسسات التعليمية عنوانها الابتكار

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 2 أبريل 2025 12:29 صباحاً - مع تصاعد تأثير جيل ما بعد الألفية، المعروف بـ «جيل Z»، على الاقتصاد العالمي، برزت تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية الأنظمة التعليمية لإعداد هذا الجيل لمواجهة المستقبل، تشير تقديرات صادرة عن مؤسسة «بنك أوف أمريكا» إلى أن القوة الشرائية لجيل Z، الذي يمثل الشباب المولودين بين عامي 1997 و2012، تبلغ حالياً نحو 3 تريليونات دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 12 تريليون دولار بحلول عام 2030، ما يعكس حجم التأثير الاقتصادي المتزايد لهذا الجيل على الأسواق العالمية.

في ظل هذه التحولات الاقتصادية، تزداد أهمية تطوير منظومة تعليمية تعزز مهارات ريادة الأعمال والابتكار الاجتماعي لدى الطلاب منذ مراحل مبكرة، وهذا الواقع يفرض على المؤسسات التعليمية تطوير مناهج تتماشى مع طبيعة هذا الجيل، وتعزز من قدراته الابتكارية.

بيئة رقمية

جيل Z هو الجيل المولود بين عامي 1997 و2012، وهو أول جيل ينشأ في بيئة رقمية بالكامل، ما يجعلهم أكثر تفاعلاً مع التكنولوجيا وتأثراً بالعولمة، ويتميز هذا الجيل بوعي عالٍ بالقضايا الاجتماعية والبيئية، كما يمتلك قدرة على استخدام الأدوات الرقمية في إدارة حياته اليومية، سواء في التواصل أم العمل أم الاستهلاك، هذه السمات تجعل جيل Z أكثر استعداداً للابتكار والتأقلم مع التغيرات الاقتصادية السريعة.

وتشير آراء خبراء تربويين واقتصاديين إلى أن تعزيز مفاهيم ريادة الأعمال والابتكار في المؤسسات التعليمية يشكل ركيزة أساسية في إعداد جيل Z لمتطلبات الاقتصاد الحديث، من خلال برامج ومعارض مدرسية لريادة الأعمال، ومشاريع تطبيقية، ومبادرات التفكير النقدي، التي أصبحت أدوات فعالة في تعليم الطلاب كيفية تطوير أفكارهم وتحويلها إلى نماذج عمل حقيقية.

وأدركت بعض المدارس في الإمارات أهمية تعزيز مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات منذ الصغر، وبدأت بإدخال مقررات تعنى بريادة الأعمال والابتكار الاجتماعي، كما خصصت منصات لعرض مشاريع الطلاب في معارض متخصصة، وهذه الفعاليات تتيح للطلاب تجربة حقيقية في مجال إدارة الأعمال، من خلال عرض مشاريعهم أمام معلمين وخبراء، مما يفتح لهم آفاقاً أوسع للمستقبل لتصل إلى المستثمرين ورجال الأعمال.

ويؤكد التربويون أن غرس مفاهيم الثقافة المالية والاستثمار منذ الطفولة يمكن أن يحدث فرقاً جوهرياً في نظرة الأجيال القادمة لفرص العمل، حيث يصبح الطلاب رواد أعمال محتملين بدلاً من أن يكونوا فقط باحثين عن وظائف.

تعليم تطبيقي

وتقول الخبيرة التربوية سها شعشاعة إن تدريس ريادة الأعمال في المدارس يجب أن يكون عملياً وتطبيقياً، وليس مجرد مادة نظرية، وإن الطلاب بحاجة إلى بيئة تعليمية تحفزهم على التفكير الريادي، عبر مشاريع واقعية تمكنهم من تجربة النجاح والتعلم من الأخطاء، موضحة أن إدخال التجربة العملية في المناهج يخلق جيلاً مستعداً لمتطلبات سوق العمل المتغيرة.

وأضافت إن أحد أهم عناصر تطوير التعليم هو إدخال برامج محاكاة للمشروعات الاقتصادية، وتوفير فرص للتواصل مع خبراء ورجال أعمال، بحيث يختبر الطلاب عن قرب آليات تأسيس المشاريع وإدارتها، والتعامل مع التحديات التي تواجههم في بيئة العمل.

وأشارت إلى أن مدارس عدة بدأت بالفعل في اعتماد نماذج تعليمية تركز على دمج ريادة الأعمال مع المواد الأساسية، مما يسهم في إعداد الطلاب ليكونوا مبتكرين وقادرين على خلق فرصهم الخاصة، بدلاً من الاعتماد على الوظائف التقليدية فقط.

غرس الابتكار

وأوضحت الخبيرة التربوية ياسمين زهرة أن غرس روح الابتكار وريادة الأعمال في سن مبكرة يعزز من قدرة الطلاب على مواجهة التحديات والتفكير بحلول مبتكرة، فعندما يتعلم الأطفال أسس التفكير الريادي منذ الصغر، فإنهم يطورون مهارات مثل حل المشكلات، واتخاذ القرار، والتواصل الفعال، وهي مهارات أساسية لأي قائد أو رائد أعمال مستقبلي.

وقالت إن التركيز على ريادة الأعمال منذ مرحلة رياض الأطفال سيساعد في تنمية عقلية الابتكار لدى الطلاب، ويجعلهم أكثر استعداداً لاستكشاف الفرص بدلاً من الخوف من المخاطر.

مشاريع طلابية

أكد الخبير الاقتصادي أحمد عرفات أن المشاريع الصغيرة التي يطلقها الطلاب داخل المدارس لها تأثير اقتصادي أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى، ويوضح أن هذه المشاريع ليست مجرد تجارب تعليمية، بل تمثل نواة حقيقية لنموذج اقتصادي مستدام، حيث يتعلم الطلاب مهارات الإنتاج والتسويق والإدارة المالية في بيئة واقعية، مما يعزز من فرص نجاحهم في مشاريع مستقبلية بعد التخرج.

وأضاف: إن العديد من الدول التي شجعت ريادة الأعمال بين الطلاب شهدت نمواً في قطاع الشركات الناشئة، حيث يتحول بعض هذه المشاريع إلى شركات حقيقية تساهم في الناتج المحلي الإجمالي وتوفر فرص عمل جديدة، كما أن الأسواق المحلية تستفيد من هذه المبادرات، إذ تخلق منافسة جديدة، وتدفع نحو الابتكار، وتفتح مجالات اقتصادية لم تكن مستغلة سابقاً.

توجه عالمي جديد

ويرى الخبير المصرفي حسن الريس أن مفهوم ريادة الأعمال لم يعد يقتصر على إنشاء المشاريع من أجل الربح فقط، بل أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بالاستدامة والتأثير الاجتماعي والبيئي، وهو ما يجعل الشباب العنصر الأساسي في تشكيل اقتصاد أكثر استدامة.

وأوضح أن الجيل الحالي من الشباب أصبح أكثر وعياً بالقضايا البيئية والاجتماعية، مما ينعكس على نوعية المشاريع التي يطلقونها، حيث تتجه العديد من المشاريع الطلابية نحو الحلول المستدامة، مثل إعادة التدوير، وتقنيات الزراعة الذكية، والطاقة المتجددة.

وأضاف: إن تعزيز ريادة الأعمال المستدامة في المدارس يمكن أن يكون له تأثير طويل الأمد على الاقتصاد، حيث يساعد في خلق بيئة أعمال جديدة تعتمد على الابتكار الأخضر والتكنولوجيا النظيفة، مما يفتح أسواقاً جديدة ويوفر فرص عمل تتماشى مع متطلبات المستقبل.

تجربة تعليمية

من جانبه قال الدكتور ماهر حطاب المدير العام لمدارس الأهلية، إن تنظيم معرض لريادة الأعمال بمشاركة أكثر من 150 طالبة ساهم في تسليط الضوء على إمكانيات وإبداعات الطالبات في مجالات متنوعة. هذا الحدث لم يكن مجرد فرصة للعرض، بل كان تجربة تعليمية متكاملة مكنت الطالبات من التفاعل مع خبراء السوق وتلقي ملاحظات قيمة على مشاريعهن.

وأوضح أن أهمية هذا المعرض تكمن في توفير منصة حقيقية للطالبات لتحويل أفكارهن إلى نماذج أعمال حقيقية، وهو ما يعكس مدى فاعلية تدريس ريادة الأعمال في المدارس. مثل هذه الفعاليات تساعد الطالبات على تطوير مهارات القيادة والتواصل والتسويق، مما يعزز فرص نجاحهن في المستقبل.

وأضاف: إن مادة ريادة الأعمال التي يتم تدريسها في المدارس توفر أساساً قوياً للطلاب لدخول عالم الأعمال بثقة. إن التركيز على الجوانب العملية داخل الفصل، بالإضافة إلى المعارض والمسابقات، يجعل من هذه المادة أداة فعالة لإعداد الطلاب ليكونوا رواد أعمال ناجحين قادرين على مواجهة التحديات الاقتصادية الحديثة.

ريادة الأعمال

ومن جانبها أكدت سعاد أبو حرب، مديرة مدرسة دبي الوطنية، أن المدرسة تولي اهتماماً كبيراً بدعم الابتكار وتنمية مهارات ريادة الأعمال لدى الطالبات، من خلال تقديم برامج وأنشطة عملية تساهم في إعدادهن للمستقبل، موضحة أنه في إطار هذا التوجه، تم هذا العام تنظيم فعالية «يوم ريادة الأعمال» تحت شعار «جيل Z»، وشهدت الفعالية مشاركة واسعة من طالبات المرحلة الثانوية، اللاتي قدمن مشاريع تجارية مبتكرة وسط أجواء مفعمة بالحماس والإبداع.

وأضافت أبو حرب: إن الفعالية شهدت مشاركة 223 طالبة قدمن خلالها 59 مشروعاً تجارياً متنوعاً، تضمنت أنشطة البيع، الشراء والتسويق، ما أتاح للطالبات فرصة تطبيق مهاراتهن في عالم الأعمال الحقيقي.

وأشارت أبو حرب إلى أن الفعالية مثلت فرصة فريدة للطالبات لاستعراض مهاراتهن في ريادة الأعمال، كما ساهمت في تعزيز روح الابتكار والتعاون بينهن، مؤكدة أن المشاريع المعروضة لاقت استحسان الزوار، ما يعكس نجاح الفعالية في تحقيق أهدافها التربوية والمجتمعية، وإعداد جيل قادر على الابتكار وخلق فرصه الخاصة في المستقبل.

Advertisements

قد تقرأ أيضا